السيد كمال الحيدري
36
العلامة الطباطبائى ( قده ) ( لمحات من سيرته الذاتية ومنهجه العلمي )
فعدتُ إليه مرّة ثالثة وأخبرته بذلك . فأجاب معتذراً : لا أستطيع ذلك . فأرجعت المبلغ لصاحبه » « 1 » . وبالرغم من أنّه امتلك منزلًا في السنوات الأخيرة من حياته في قم ، إلّا أنّه لم يستعن بأحد في تهيئة ثمنه حتّى أولاده ، وإنّما توفّر لديه الثمن ممّا وصله أخيراً من عوائد مؤلّفاته وريع ما يطبع . يقول الطهراني في « مهر تابان » : « هذا هو الوضع الذي كان يعيشه أحد فلاسفة الشرق ، مع أنّنا لم نجر القلم ولم نرفع الستار عن الوضع الخاصّ لذلك الرجل الكبير ، لأنّا نعتقد أنّ ذلك ممّا لا يليق بمقام العفّة والشرف ! هذه هي حياة أولياء الله ، صبروا أيّاماً قصيرة ، أعقبتهم راحة طويلة « 2 » . إذا أخذنا صفات المتّقين ونعوتهم التي ذكرها الإمام أمير المؤمنين ( ع ) لهمّام ، للمسنا تجسّدها في هذا الرجل الربّاني ، ولرأيناها حاضرة فيه : أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . هذه هي حياة أهل الصلاح المتحرّرين من إسار النفس الأمّارة ، المحلّقين في حريم القضاء والمشيئة الإلهية ، المفوّضين الراضين المسلّمين . ومع جميع هذه المشكلات والالتباسات ، كنت تلحظ وجوده مسكوناً بالجلال يجلّله الوقار وتحوطه السكينة والهدوء » « 3 » .
--> ( 1 ) م - جلّة مكتب إسلام ، السنة : 21 ، العدد : 10 ، ص 62 . ( 2 ) نهج البلاغة ، من خطب الإمام علي ( ع ) ، الخطبة رقم : 191 . ( 3 ) العلّامة الطباطبائي ، ملامح في السيرتين الشخصية والعلمية : ص 375 . .